الأحد، 6 سبتمبر 2020

هاجِر...

 - تنويه. إن كنت في منعة وقوة وتستطيع التغيير للأفضل في بلدك فليس بالضرورة أن ينطبق عليك النص التالي ولكن إن لم تستطع على الأقل قول "لا" لظلم أو لظالم في بلد إقامتك فأنصح بالمتابعة. وبالنسبة لاستخدام كلمة هاجر فهي بمعنى السفر والانتقال والترحال هنا وليس بالضرورة المعنى الديني للهجرة ومع ذلك وبما أن الأعمال بالنيات فيمكن لكل شخص استحضار نية الهجرة من بلاد الظلم الى بلاد أقل ظلما واستبدادا وكل لما هاجر له. 

عبر التاريخ  القديم والحديث كان من وظائف المستبدين وكهنة الحكام والسلاطين أن يثبّتوا ويصبّروا الناس على ظلم الحاكم وقسوته وطمعه. الأمثلة كثيرة على ذلك وأكتب هذا النص لتشجيع المستضعفين على التحرك والهجرة للبحث عن الأفضل لهم ولمستقبل أطفالهم علهم يستطيعون حيلة أو يهتدون سبيلا. 

تخيل أن يقول أحدهم لشعب كامل عليكم أن تهاجروا من أرضكم ...

في العصر الحالي ربما ينعت بالجنون ولن يستمعوا له لتعلقهم بأرضهم وممتلكاتهم وكل الماديات التي حولهم ولا يخطر ببالهم أن هذه الماديات صنعها الإنسان ويمكنه أن يصنعها من جديد ولكنه إن خسر نفسه وحريته فسيخسر هو وذريته كل شيء عبر العصور القادمة. 

وردت لنا هذه الهجرة الجماعية في قصة موسى عليه السلام وهجرة بني إسرائيل معه ولم يكن وحده الذي هاجر بل كثير من الأنبياء هاجروا ومنهم ابراهيم وعيسى وصالح ومحمد عليهم السلام. 

وفي عصور الجاهلية وردت أشعار تحث على الهجرة لمن خاف الظلم فقد قال الشنفرى 525م في قصيدته التي مطلعها: "أقيموا بني أمي  صدورَ مَطِيكم":

وفي الأرض مَنْأىً للكريم عن الأذى  * وفيها لمن خاف القِلى مُتعزَّلُ

لَعَمْرُكَ ما بالأرض ضيقٌ على أمرئ * سَرَى راغباً أو راهباً وهو يعقلُ

وقال الشاعر الجاهلي عبد قيس بن خفاف البرجمي:

واترك محل السوء لا تنزل به  ***  وإذا نبا بك منزل فتحول

دار الهوان لمن رأها داره    ***   أفراحل عنها كمن لم يرحل


تأتي الهجرة كمخرج عندما لا ينجح أي علاج بديل للاستبداد والظلم الشديد وتصبح هي الحل بل في حالات معينة قد تكون فرضا وواجبا لا مهرب منه ويحاسب عليه الشخص الذي يعتبر ظالما لنفسه في اختيار بقائه تحت نير الظلم والطغيان كما ورد في القرأن الكريم: " إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ".

وفي أغلب الأوقات يلحق الظالمون بالمهاجرين لقتلهم أو إرغامهم على العودة للاستعباد والذل الذي كانوا به كما لحق فرعون وجنده بموىسى وبني إسرائيل لمنعهم من الهجرة. وقد حاول المشركون في مكة اللحاق بالمهاجرين إلى الحبشة وإعادتهم أيضا وصعّبوا الهجرة على غيرهم فمنعوا بعضهم من والدته وزوجته وأولاده أو ماله وأمثلة غيرها.

يحاول المستبدين أيضا التحايل على المستضعفين وحصرهم في خيارين. إما البقاء تحت الظلم والعيش بذل وامتصاص دمائهم تدريجيا من خلال تضييق المعيشة عليهم وفرض ضرائب عالية وأتاوات على كل شيء ويأخذون أولادهم للخدمة العسكرية غصبا وقد يستعملوهم لقتل أخوتهم من الأحرار المقاومين للظلم وإما الحبس والموت والدمار.

الملاحظ هنا أن المستبد يريد أن يبقي هؤلاء الناس تحت حكمه بشتى الطرق والوسائل ويلاحظ هنا أيضا أنه قد يستخدم أحيانا أسلوب الخطاب الديني لتصبيرهم وبعض أتباع المدارس الدينية المتأثرة بالاستبداد عبر مئات السنين تجاري المستبدين في خطاباتهم لا شعوريا وبدون إدراك أنهم يوجهون الناس نحو الهلاك.

هناك دائما خيارالابتعاد والهجرة. المشكلة الرئيسة في اختيار البقاء هو أن يصبح الشخص مثل ذلك الضفدع الذي يسخن تحته الماء تدريجيا ويعتاد على محيطه حتى يغلي الماء ويموت بدون أن يشعر أو أن يصبح مثل ذلك القرد الذي يمسك بالطعم الموضوع في الفخ بدون ان يستطيع إخراج يده حتى يقبض عليه الصياد ويقتاده للسيرك أو للبيع. 


لقد حث القرأن على الهجرة في قوله تعالى " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة" وفي الحديث : "إن الرجل إذا مات في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" كما شجع صلى الله عليه وسلم الكثير من المسلمين الأوائل على الهجرة للحبشة.


السؤال الذي يرد بعد ذلك هو إلى أين؟  والإجابات تتعدد ولكن في اعتقادي أنها تصب بطريقة أو أخرى في هدف البحث عن عدل أكثر أو على الأقل ابتعاد عن ظلم يتزايد فقد قال الكثير من الحكماء أن العدل أساس الملك وأنه بالعدل تحيا الامم والمعيار الذي ذكره الرسول للمهاجرين هو العدل وليس الدين أو المسافة "إنَّ بأرض الحبشةِ ملِكًا لا يُظلَمُ أحدٌ عنده".

إن أردت أن أوصي أبنائي أو عائلتي وأصدقائي عن أفضل بلد للعيش والسكن سواء الأن أو في المستقبل فلن أوصيهم بالذهاب ل أغنى بلد أو أجمل بلد أو البلد الأكثر التزاما دينيا في المظاهر أو في كل الأفعال ما عدا العدل أو حيث تتوفر الخدمات والرفاهية وغيرها من الخيارات والإغراءات الكثيرة. 

الذي سأوصي به هو البحث عن البلد الأكثر عدلا أو الأقل ظلما وهذا - من وجهة نظري - هو أساس الحفاظ على كل الأشياء الجميلة التي تم ذكرها فالظلم يشوه الجمال ولن يكون عندك مال إذا عم الفساد والظلم وحتى الدين لن يكون كاملا في بلد ظالم وستضيع الحقوق وغيرها بضياع العدل. العدل يقوم بحفظ كل شيء  من إنسان وحيوان ونبات.


ورد في الحماسة للبحتري العديد من الأشعار حول الهجرة منها قول قيس الأنصاري: 

وما بعض الاقامة في ديار  ***  يهان بها الفتى إلا عناء.

وقول أوس التميمي: 

أقيم بدار الحزم ما كان حزمها  ***  وأحر إذا حالت بأن أتحولا


بقيت الهجرة منتشرة في العصور اللاحقة بعد هجرة المدينة فقد كان هناك عشرات الألاف من الصحابة في مكة والمدينة المنورة وهاجر أغلبهم وانتشروا في الأرض (وانتشر الدين مع انتشارهم سواء سلما بالمعاشرة والقيم والمعاملة أو بمحاربة الظلم والطغيان للملوك المستعبدين لشعوبهم الذين منعوا نشر الفكر والقيم بشكل سلمي لأهداف السياسة والحكم التي تأثر بها ملوك الشرق لاحقا أيضا) وتتابعت الهجرة لأقصى الشرق ولو قرر أوائل المهاجرين عدم الذهاب أو العودة من ماليزيا واندونيسيا مثلا لما كان هناك بحدود 300 مليون مسلم الأن. 


في العصر العباسي يقول الشاعر صالح عبد القدوس: 

وإذا رأيتَ الرِّزقَ عَزَّ ببلـدةٍ  ***  وخشيتَ فيها أن يضيقَ المكسبُ

فارحلْ فأرضُ اللهِ واسعةَ الفَضَا  ***  طولاً وعَرضاً شرقُهـا والمغرِبُ

ومن الهجرات الغريبة والقصص العجيبة في التاريخ هجرة الربضيين في القرن الثالث هجري او التاسع ميلادي وهم مجموعة من أهل الأندلس الذين ثاروا على الحكم الأول (الربضي) فنفاهم وذهبوا للاسكندرية في مصر ثم هاجروا وهم أكثر من 12 ألف شخص في أربعين سفينة إلى جزيرة كريت وأسسوا بها إمارة استمرت عشرات السنين وربما ألخص قصتهم في المستقبل ان شاء الله

وكان الشافعي 767-820م من المشهورين بالهجرة والثناء عليها وقد وردت له الأبيات التالية: 

تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا *** وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ

تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ   ***  وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ

وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ  ***  وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ

فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ  ***  بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ

وقال ايضا:

ارحل بنفسك من ارضٍ تضام بهـا * ولا تكن من فراق الأهل في حرق

فالعنبرُ الخامُ روثٌ في مواطنهِ * وَفِي التَّغَرُّبِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُنُقِ 

وينسب له كذلك: 

ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدب * مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ

سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ * وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ * إِنْ سَال طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ


وبعد ذلك قال البستي  1010 م :  

إذا نَبـا بـكريـمٍ موطِـنٌ فلَـهُ * * * وراءهُ فـي بسيـط الأرض أوطـانُ

وإن نبَتْ فيك أوطان نشأت بهـا * * * فـارحـل فكـل بـلاد الله أوطـانُ





x

وورد في تائية أبو إسحاق الإلبيري:

ولاتلبث بحي فيه ضيم *** يميت القلب إلا إن كبلتا

وغرب فالتغرب فيه خير *** وشرق إن بريقك قد شرقتا

وعند ازدياد الفتن وانتشارالظلم في الأندلس نادى ابن العسال (ت 1095م) في أهل الأندلس بالهجرة وربما قد فاز ونجى من سمع نصحه في ذلك الوقت: 

شدّوا رواحلَكم يا أهلَ أندلس *** فما المقامُ بها إلاَّ من الغَلَطِ

الثَّوب ينسلُّ من أطرافه وأرى *** ثوبَ الجزيرة منسولاً من الوسطِ


وبعده بقليل قال الحريري صاحب المقامات المشهورة:

لا تصبون الى وطن *** فيه تضام وتمتهن

وجب البلاد فأيها  *** أرضاك فاختره وطن 


وقال ابن المقرب العيوني بحدود القرن الثاني عشر:

قمُ فاشدد العيس للترحال معتزما *** واِرم الفجاج بها فالخطب قد فقما

 وَلا تلفت إِلى أَهل ولا وطن   ***  فَالحر يرحل عَن دارِ الأذى كرما 


وقال عبد العزيز الدريني في القرن الثالث عشر:

عجبت لمن يقيم بدار ذل *** وأرض الله واسعة فضاها

 فذاك من الرجال قليل عقل *** بليد ليس يدرى ماطحاها 

فنفسك فز بها إن خفت ضيما *** وخلى الدار تنعى من بناها 

فإنك واجد أرضا بأرض *** ونفسك لا تجد نفسا سواها 

ومن طريف ما ذكره ابن الوردي 1292م في لاميته الشهيرة قوله: 

حبك الأوطان عجز ظاهر  ***  فاغترب تلق عن الأهل بدل

أخر ما قرأته بخصوص الهجرة كان كتابا لعالم الاقتصاد بول كوليير ذكر به أن المهاجرين قد يصبحون فاعلين ضد الاستبداد في البلاد التي هاجروا منها وخطر كامن للمستبد عندما يقفون ضد أخطائه ويشكلون معارضة خارجية (طبعا سيتهمهم المستبد وأعوانه بالخيانة) إضافة لكونهم برنامج مساعدة لامركزي يحسن حياة الملايين من الشعوب الفقيرة كما بين أن الهجرة المستمرة تقرب الناس من بعضهم وتعرفهم على بعضهم أكثر مما يقلل من العنصرية حول العالم. 

هذا أشهر ما وجدته من الأقوال بخصوص الهجرة والحث عليها وربما هذه الأصوات كانت خافتة في عصور الاستبداد أو الترف كما أذكر أيضا أن بعض القبائل أو الأسر من العرب كانت لا تفضل أشعار الهجرة في تلك الأوقات حتى لا يتغرب عنهم أبنائهم وربما كان هذا تغليبا للعاطفة على العقل. وفي العصر الحالي تغيرت الحدود والأساليب ولكن بقيت الهجرة خيارا أمام الملايين من البشر حتى لو مشيا على الأقدام هروبا وتهريبا وتسللا وغيرها من الطرق.

عند مقارنة حال من هاجر بحال من بقي ينبغي اعتبار ان اول عدة سنوات ستكون صعبة جدا على  المهاجرين فهم في مرحلة بناء جديدة ولكن قارن على مدى عشرين سنة أو اكثر وغالبا وبالمجمل ستلاحظ أن حال من هاجر اصبحت أفضل بكثير من حال من بقي تحت  نير الظلم والاستبداد (وهو منتشرفي العالم ولكنه نسبي). 

في الختام أقول أيها الإنسان المظلوم أنت لست جماد فتحرك -إن استطعت- إلى بلاد تحترم العدل ولا تربي أولادك عبيدا للمستبد ولا تبقى في بلاد ظلم ظهيرا للمجرمين والظالمين إن استحال عليك التغيير.


 

الأحد، 23 أغسطس 2020

أسطورة العنف الديني - ويليام كافانو

هل هناك فعلا عنف ديني لا عقلاني وعنف غير ديني عقلاني ومبرر؟ هذا ما يناقشه كتاب الأستاذ ويليام كافانو مع تنبيهات مفيدة وأمثلة توضح وتدلل على كلامه الذي يهدف لتفكيك أسطورة العنف الديني من أجل تحرير العقل والدراسات الأكاديمية عن التصورات المغلوطة التي انتشرت في أوروبا والغرب الحديث.


في الفصل الأول بعنوان تشريح الأسطورة يقول كافانو أن الفكرة القائلة أن للدين نزعة تشجع على العنف هي فكرة رائجة ولكن معظم من قال ذلك لم يعرِّف الدين بشكل دقيق لأن أيديولجيات كثيرة يطلق عليها علمانية، كالقومية على سبيل المثال، لديها نفس طقوس وأفكار ومعتقدات ما يسمى بالدين، كما يكون لدى المؤمنين بها حقيقة مطلقة في مخيلتهم وادعاء أنها خير مطلق. وكما يطلق على الدين، فإن هذه الأيدلوجيات العلمانية تسبب الإنقسامية (نحن وهم) والإقصائية وتخضع القومية لأفعال لاعقلانية أحيانا مثل الحماسة والحمية والتعصب ولها طقوس مثل تحية العلم والنشيد الوطني وقد يتحول أتباعها للقتل أيضا من أجل الدولة القومية. يؤكد المؤلف بأن الحدود الفاصلة بين الدين والقومية العلمانية غير واضحة وأن "القومية العلمانية هي دين" وتخضع لكل ما يخضع له الدين.

لقد استولت الدولة الناشئة على المقدس لتصبح هي نفسها نوعا جديدا من الدين، وقد ترافق ذلك مع انزياح في القيم التي يقاتل البشر من أجلها.  ففي الدولة القومية، تم تأسيس عنف مختلف كالموت في سبيل الوطن. 

بناء على ما ذكر فإن وصف العنف بعلماني أو ديني لا يملك قيمة تحليلية على الإطلاق، بل هو مضلل وخادع وينبغي تجنبه. 


في الفصل الثاني يشرح الكاتب لفظ معنى ديني  Religio ما قبل الحداثة وكيف أنها كانت من المفردات التي تدور حول مفهوم الطاعة الاجتماعية في روما القديمة وكيف تطورت الكلمات حتى القرون الوسطى وكيف أن العلاقات بين الكنيسة والسلطة المدنية كانت معقدة ومتغيرة باستمرار عبر تاريخ العالم المسيحي. 


أما حول العالم فذكر عدة أمثلة على كيفية تحول بعض المسميات لدين. فالهندوسية مثلا كان اسما يطلق على جميع من في الهند، ولكن تم تحويلها لاحقا لدين. والبوذية كذلك تم اختراعها كدين من قبل الأوروبيين لتطلق على مجموعة تعاليم وعبادات متعددة تأملية وطقوسية مرتبطة بالعرافة وغيرها. مع أنه لا يوجد في البوذية مفهوم للإله يوازي ذلك المفهوم المسيحي للإله، ولكن صنفها الأوروبيون كدين لمقارنتها مع المسيحية وتحييدها إلى المجال الخاص وإتاحة المجال العالم لسيطرة الدولة العلمانية. وكذلك حصل مع الشنتو اليابانية والكونفوشية الصينية والطاوية وغيرها.

يسرد الكاتب تعريفات وظيفية للدين مثل تعريف دوركهايم : "الدين هو نظام موحد من الاعتقادات والممارسات المرتبطة بالأشياء المقدسة ،أي الأشياء المتمايزة عن غيرها والمحاطة بحرمة" ويؤكد أن الوظيفيين (مقابل الجوهرانيين) محقين بالقول أن الظواهر العلمانية كالرأسمالية والقومية هي ظواهر دينية بامتياز كما يذكر أقوال ل Robert Bellah وWill Herberg وHayes وتعريفهم للأمريكانية ونمط حياتها كدين.

يتساءل كافانو أنه اذا كانت القومية دينا فلماذا ننكر ذلك؟ والجواب لأنه يعرضها للتحدي ويجعلها نظيرة لبقية الأديان غيرها وبذلك نحميها ان تكون عرضة للمنافسة وهكذا نطبق نفس القاعدة القديمة بألا نلفظ أو نمس بعض القدسيات.

أهم المشاكل في أسطورة العنف الديني ليس في أنها تدين أنواعا معينة من العنف وإنما في أنها تنحي أنظارنا عن تفحص الأنواع الأخرى من العنف. العنف الموصوف بالديني يستحق اللوم دائما أما الموصوف بالعلماني فهو عنف ضروري تارة أو يستحق المديح والتمجيد تارة أُخرى. 


في الفصل الثالث بعنوان أسطورة الخلق، يسرد الكاتب الأسطورة المهمة التي يعتمد عليها الكثير كسردية للعنف الديني. تقول الأسطورة: انقسم المسيحيون لطوائف دينية متنازعة واقتتلوا فظهر خطر الدين ولحل المشكلة صعدت الدولة الحديثة وتم تهميش الولاء الديني وأصبح من الواجب كبح الشعور الديني في المجال العام واتحد الجميع على اساس الولاء للدولة ذات السيادة والمحايدة دينيا .  هذه القصة التأسيسية شبهها بسفر التكوين الخاص بالدولة العلمانية الحديثة وهي تحمل بعدا خلاصيا من الخطر القاتل. 


من شروط هذه السردية أن يكون المتقاتلين على خلاف ديني (كاثوليك ضد بروتستانت مثلا) والحقيقة أن هذا لم يحصل، فقد تقاتلت معظم الفرق الدينية مع بعضها أو ضد بعضها وشكل بعض المنتسبين إلى بعض الطوائف تحالفات مع طوائف أخرى. يذكر الكاتب أمثلة متعددة لذلك. ومن الشروط أيضا أن يكون سبب الاقتتال هو الدين وليس السياسة أو الاقتصاد  وأن تكون الأسباب الدينية منفصلة تحليليا عن السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا أيضا لم يحصل، فكثير من الحروب كانت سياسية أو اقتصادية قبل أن تكون دينية. والشرط الأخير هو أن صعود الدولة الحديثة لم يكن سببا للحروب، وهذا أيضا دلل عليه بأن بناء الدولة كانت عملية خلافية وصراعية في جوهرها ومبدأ السيادة يتطلب دمج وتركيز جميع السلطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت سيادة الحاكم. إنتصار الدولة كان بسبب القدرة العسكرية التي نشأت نتيجة القدرة على الوصول لرأس مال مدني وعبر إكراه دافعي الضرائب. إن صعود الدولة الحديثة ساعد في تعزيز الخلافات وإقناع الناس بإسطورة العنف الديني. 

في الفصل الأخير يشرح كافانو استعمالات الأسطورة ولماذا تم نشرها ثم ما فائدة التخلي عنها. 

تم استعمال هذه الأسطورة لعمل التالي: 

- تبرير نشر الأشكال الغربية من الحكم وتبرير العنف ضد الفاعلين الدينيين على أساس أنه عنف عقلاني في مواجهة عنف لا عقلاني. 

- شرعنة الإخلاص للدولة القومية وتدعيم النظام العلماني وتهميش الفاعلين الموصوفين بالدينيين من الحيز العام وتهميش الخطابات والممارسات الموصوفة بالدينية.

- تشكيل وصياغة السياسات المحلية وشرعنة ترتيبات معينة للسلطة في الغرب الحديث.  

- تشكيل وصياغة المواقف الغربية تجاه المجتمعات غير الغربية، وتشكيل إجماع داخلي بشأن السياسة الخارجية. 

- الأسطورة توهم المؤمنين بها وتحثهم على وصف الأخرين بلاعقلانيين -عنيفين او غير طبيعيين. 

- هذه التصورات كلها تخلق نقطة عمياء في التفكير الغربي حول مدى تورط الغرب في العنف ويصبح من غير الضروري تفحص علاقة الغرب بالعالم غير الغربي بشكل عميق وحقيقي.

- فوائد التخلي او تنحية هذه الأسطورة الخاطئة:

1 - تحرير الأعمال والأبحاث والكتابات والتجارب القيمة حول العنف ومعرفة الأسباب الحقيقية له والتخلي عن السبب الوهمي. 

2- رؤية طبيعة العلمانية الغربية باعتبارها مجموعة ترتيبات اجتماعية وليست حلا كونيا.

3- سيتخلص الغرب من أهم العقبات لفهم العالم غير الغربي ولتبني مقاربة اكثر انفتاحا مع الجميع.

4- نزع الشرعية والتبريرعن أعمال العنف التي تدعي أنها عقلانية ضد العنف الموصوف باللاعقلاني.

5- التخلي عن هذه الأسطورة سيساعد المواطنين في أمريكا على التخلص من أبرز عوائق النقاش العمومي الجدي حول أسباب معادات السياسات الأمريكية في الخارج.



العنوان الاصلي للكتاب: 

The Myth of Religious Violence: 

Secular Ideology and the Roots of Modern Conflict










الأربعاء، 5 أغسطس 2020

مفارقات شارع الواتساب

إن شبهنا أو تخيلنا أن مجموعة واتس "عامة" ،تحوي مائة شخص أو أكثر، بأنها حي أو شارع ففي ما يلي بعض ما  يحصل يوميا في هذا الشارع من مواقف وطرائف بعضها يحتاج للتفكر قليلا:

- أحدهم يخرج من نافذة بيته ليصبح أو يمسي على جميع من في الشارع. 
- يلحقه أخر بعد عدة ساعات ليصبح أيضا أو يمسي على الجميع نظرا لاختلاف الوقت لديه. 
- شخص يلقي نكته عبر مكبر للصوت ليسمعه جميع أهل الحي (وغالبا تكون سمجة بالنسبة لبعض سكان الشارع الأخرين نظرا لتفاوت الأمزجة والأوقات والظروف). 
- بعد ساعتين  يضحك صديق الذي ألقى النكته أمام الجميع ويرسل "ستيكر" ضاحك. 
- شخص يبيع أو يسوق لعمله وبضاعته ومحله وأخر يسأله عن السعر وربما يفاصله أمام الجميع. 
- أحد سكان الشارع يدخل في حالة طرب ويشارك الجميع بمقطع لفنان منكر الصوت يقوم ببعض الحركات الغريبة.
- جاره الذي يسكن في أخر الشارع يكون في حالة خشوع وتعبد ويرسل رسالة تحوي مقاطع أيات من القرأن الكريم أو أحاديث. 
- عطار الشارع يوزع وصفات مجانية على الجميع تشفي كل العلل بما فيها الأرق وتجعل الكهل شابا وتقوم النائم وتهديء الذي به صرع وتشفي من البواسير والمواسير ومتوفرة بكل بساطة في الخل والبقدونس والفول والبصل والثوم وبعضا من اليانسون وغيرها ولكن يجب ان تتبع خلطته بالتفصيل. 
- شخص جائع يفكر بالعشاء يرسل وصفات أو مقاطع فيديو لبوراك أو ما شابهه تحوي مناظر طعام لذيذة لإثارة الشهوات والرغبات وتحريك المعدة عند البقية. 
- صاحب محل شاورما في شارع قريب يقوم بإرسال دعاية مع عرض خاص للجميع. 
- شخص يتمشى بصمت في الشارع ويتفرج بدون إصدار أي صوت. 
- مخبر الحي يتابع أيضا بصمت لمعرفة من يتكلم في السياسة وتصنيفه ثم كتابة التقارير عنه. 
- شاب متحمس جدا لكل خبر سواء سياسي أو حوادث يجري كحامل الجرائد يصرخ في الشارع ويشارك تلك الأخبار كل عدة دقائق. 
- الحكيم الذي يلقي حكما على سكان الحي أغلبها قص ولصق وصلته من أصدقائه. 
- صاحب "الجمعة المباركة" الذي يظهر كل  يوم جمعة ليعلنها مباركة للجميع ثم يختفي. 
- صديقان في حوار خاص بصوت عالي امام الجميع أو عدوان يتشاجران أمام الجميع أيضا.  
- "بلطجي" أو "مشكلجي" الحارة الذي يعارض كل الأشخاص  في الشارع ويفتعل جدالا أو شجارا. 
- الشخص الشاعري الذي يرسل قلوب وورود للجميع تعليقا على ما قالوه. 
- حوار عائلي تم إذاعته على الشارع كله بالخطأ. 
- محلل سياسي لا يترك كبيرة أو صغيرة حول العالم إلا ويحللها لأصحاب الحي. 
- عابر سبيل يتمشى بصمت في الشارع ولكنه لا يتفرج على اي شيء مما يجري حوله. 
- شخص يحاول أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة لكه غالبا لا يلقى اهمام من أغلبية الحي لانشغالهم بزحام الشارع. 
- أحدهم يشارك نعوة أحد الأشخاص في حي قريب والجميع يبدأ بالتعزية (حتى بدون وجود ذوي المرحوم معهم)
- في الشارع يوجد ذلك الشخص الذي يحب مشاركة صوره مع جميع أعضاء الحي كل يومين. 
- أحد سكان الشارع يعرض فيدوهات لا معنى لها ولا فائدة منها قد تحوي صور ومقاطع لحيوانات تقوم بأعمال غريبة أو أصوات خراف وماعز مع موسيقى ظنا منه أنه يضيف محتوى ولإظهار أنه مشارك نشيط أمام المختار. 
- الجالس في قهوة الشارع يرسل صورة فنجان القهوة مع وردة او صينية مذهبة وقطعة شوكولا كل ما شرب قهوته وجاره في الطاولة المجاورة كهل متقاعد يحرص أن لا يترك أي خبر او رسالة تمر عليه إلا ويرسلها لكل سكان الشارع وحتى الشوارع المجاورة قبل مغادرة المقهى في  أخر اليوم وهو مرتاح البال. 
- المحفز النفسي الذي يرسل مقاطع بها موسيقى هادئة وأقمار وبحار وأنهار ونصوص تخبرك ان كل شيء سيكون على ما يرام وأنك تستطيع التغلب على كل مصاعب الحياة بعد مشاهدة المقطع كاملا. 
- مختار الحي (الأدمن) إما يحاول ضبط الشارع وربما سيخسر بعض الصداقات لحزمه أو يكون ضمن أحد الفئات المشاركة أعلاه وربما يشارك في تشتيت انتباه الحي وإضاعة وقت جميع السكان متجاهلا المسؤولية الدينية والاجتماعية ومحابيا لأصدقائه حتى لو شاركوا أتفه أنواع المحتوى. 
- درويش الحي يضع مقاطع وأدعية غير مدققة وأحاديث ملفقة واذا جرفه الحال وضع فيديو لأخر"حضرة" لشيخه وأصحابه. 
- صاحب الجريدة الحكومية في الشارع الذي همه ،حسب الأوامر، إشغال الناس بما فعلته الحكومة الكريمة من إنجازات أوالتحول لذباب الكتروني وإشغالهم بأي أخبار لتشتيت فكرهم عن أخطاء الحكومة ومشاكلها وفسادها. 
- شخص يخاف على نفسه وماله في الحي يهاجر تاركا الشارع كله لأن أحد المارة كان قد شتم الديكتاتور الحاكم. 
- شخص أخر غادر بسبب أنه تلقى عرض مختار (أدمن) في شارع أخر منافس. 
- حكواتي الحي يوزع قصصا حقيقية وخيالية على الجميع. 

هناك طبعا الكثير غيرهم من الأمثلة الإيجابية ولكن وجب التنبيه على الأمثلة التي يجب الانتباه لها والانتباه منها وطبعا المسؤولية الأولى ،من وجهة نظري، هي على إدارات هذه المجموعات التي تسمح بضياع وقت الناس وتشتيتهم وأذكرهم أنهم محاسبون يوما ما.
هناك مسؤولية أيضا على من يعرف أضرار ومفاسد هذا التشتت والضياع ولا ينبه سكان الحي عليه ويفضل الهروب من هذه المجموعات بدل البقاء وإدامة التذكيربهذه المضار. 
 قالوا قديما "قل لي من تصاحب أقل لك من أنت" وأضيف لذلك الأن "أرني مجموعاتك أقل لك من أنت". 
دائما ما نصحني جدي ،رحمه الله،  بالابتعاد عن الشوارع واللعب بها وربما كان هذا أحد أسباب التزامي وحبي لقراءة الكتب التي لاحظت وتأكدت بعد تجربة أنها تفيد في تعميق الأفكار والاستفادة من الوقت اكثر بكثير من قراءة كل تعليقات الواتس والضياع في "ماجرياته" وتشتيت الوقت والذهن والعقل والنفس لذلك أنصح كل عزيز بالابتعاد عن الشوارع كل ما اتيحت الفرصة ومحاولة تصفح كتاب للحصول على صفاء ذهني أكبر وربما سعادة اكثر. 

<br/>

الخميس، 23 يوليو 2020

خلاصة كتاب - الماجريات لإبراهيم السكران

الماجريات هو ما جرى من الأخبار والأحداث وتعني اشتغال الناس بالأخبار والأحداث التي لا نفع فيها والتشتت في متابعة وسائل التواصل وفي تقصي الأنباء والشطحات العقدية والشذوذات الفقهية والتقليعات الفكرية والجدل حولها والانجرار لمطاردة المهاترات الفكرية والقضايا الصغيرة ومماحكاتها ومغايظاتها المتبادلة والدوران اللاواعي في هذه الدوامة الذي يفضي بالمرء الى الانفصال التدريجي عن روح العمل والتنفيذ والانتاج. 
هذا التشتت والإفراط ترتب عليه سلبا تدهورالشهية العلمية واستثقال القراءة الجادة والبحوث الطويلة مع قلة الصبر على الدروس ومجالس العلم وزيادة الرغبة في متابعة الاحداث السياسية والوقائع اليومية والمهاترات الفكرية ومشاغبات القضايا الصغيرة أما إيجابا فقد حصل نمو للوعي بالواقع واللغة السياسية وزيادة مخزون تفاصيل الاحداث.

النقد المطروح هنا هو لكبح المغالاة والإفراط وليس للتوقف كليا عن أي متابعة وللتنبيه بين معرفة الواقع وبين الغرق فيه والتمييز بين المتابعة المتفرجة والمتابعة المنتجة والتفريق بين المتابعة زمن التحصيل والتعلم والمتابعة زمن العطاء والانتاج إضافة للتمييز بين توظيف الألة لخدمة الإنتاج أو الارتهان للألة في التحول لمستهلك للمحتوى وأخيرا لمعرفة الفرق بين فصل السياسة ومرتبة السياسة. 

قديما ذكر العلماء الماجريات التي كانت في وقتهم ،مثل الكلام في جزئيات احوال الناس وماجرياتهم ومداخلهم ومخارجهم والكلام الفارغ ولهو الحديث، ونبهوا أن الطاقة الذهنية محدودة ويجب استغلالها وأن صحبة الماجرياتيين فيه ضياع للوقت وهو من خلو البركة. 
أما في الوقت المعاصر فقد ذكر الكاتب إدمان النت وإدمان التواصل الشبكي والتصفح القسري والأعراض الانسحابية وأن هذا الإدمان أغلب دوافعه هي الهروب النفسي من تعقيدات المهام والمطالب لتحاشي المشكلات الحقيقية او المتخيلة اكثر من إغراء المحتوى نفسه. 
من مظاهر الماجريات الشبكية المعاصرة التي شرحها: التصفح الملثم - العمى الزمني (فقد الإحساس بالزمن) - إدمان البيانات والإغراق المعلوماتي  - النبأ المتدحرج  (متابعة وتعليق ثم تعليق على تعليق دون تحديد وقت)  - لحظات التسلل  (عند ضغط العمل - عند الفراغ - وعند بداية العمل او حتى بدل التأمل والعبادة) - مجاراة النظراء والأصدقاء - المهاترات الشبكية ( متابعتة المهاترات والمماحكات الفكرية والقضايا الصغيرة) وغيرها من الأمثلة.
يعيد الكاتب التأكيد أن المطلوب هو التوازن في التعامل مع كل ما تم سرده وليس القطع الكلي. 

في الفصل الثالث يركز الكتاب على الماجريات السياسية كونها تأخذ حيزا كبيرا من حياة المفكرين ويفصل الفروق بين الأنماط الأربعة للعلاقة بين السياسة والخطاب الشرعي التي تشمل: (العلمنة - السلطنة - التعميم - التخصص) وشرحها ثم سرد أمثلة ونماذج للدراسة حتي يعايش القاريء الخبرات والتجارب كوسيلة تحفيز أو كما عبر عنها ل "تضميد الجراحات الدافعية". 

الأمثلة هي لخمسة أشخاص معروفين يشتركوا في أنهم مفكرين عاملين مصلحين مؤثرين في محيطهم ونماذج للحياة العلمية الجادة استغلوا وقتهم ولم تشغلهم الماجريات وهم:

- البشير الابراهيمي الذي ولد في الجزائر وعاصر الاحتلال الفرنسي وفرض اللغة الفرنسية اجباريا وتعاون الفرنسيين مع الطرقية الصوفية لتخدير الشعب وشراء ذمم بعض المنتسبين للعلم لتبرير تصرفاتهم. رأى البشير أن أفضل طريقة للمقاومة هي ثلاثة أمور (تعليم منظم - مأسسة العلماء - إعلام إصلاحي). فساهم في إنشاء جمعية العلماء الجزائريين وعملوا على بناء المدارس ونشروا مجلات علمية أهمها "مجلة البصائر" وعمل سنين طويلة على "روح الاستنهاض" ونشر الوعي.
أهم مكونات مثال البشير الابراهيمي هو التمييز بين لباب السياسة (بناء الأمة -العقيدة - الأخلاق - العلم - الوعي - العمل - الإنتاج) وقشور السياسة (الجدل السياسي بين التيارات الحزبية والانهماك في الجدل الانتخابي وسمسرة الأحزاب والمهاترات السياسية التي تشغل الشعب عن القضايا الحقيقية.)

المثال أو النموذج الثاني هو المفكر مالك بن نبي الذي ناقش مفاهيم الاستعمار والحضارة وصنع مفهوم "القابلية للاستعمار"  كما أكد على أهمية الأفكار ومركزية القيم الأخلاقية وأولوية العمل أو الفعالية. 
لاحظ بن نبي أن معظم المجتمع انخرط في الخطابات السياسية وتجاهل العمل الفعلي والانتاج على الارض وصار يتوهم أن الأحزاب وصناديق الانتخابات هي التي ستحل أزمات الواقع وترتقي بالمجتمع وتصنع التقدم والحضارة ولذلك انتهى إلى تشبيه الاستغراق في المطالبة السياسية المتكررة بالحقوق ،بدون عمل وإنتاج، بخرافات المتصوفة واطلق عليها لقب "الدروشة السياسية" حيث أن الدروشة الصوفية تبيع الحروز والتمائم والدروشة السياسية تبيع أوراق الانتخابات والأماني الخيالية. 
مالك شارك وتحمل المسؤولية وكان لديه جدية في المطالعة والقراءة إضافة لتركيزالتفكير والتأمل سعيا للوصول لفهم الواقع وتقعيد ظواهره وهذا لا يصدر عن شخص استسلم للماجريات. 

النموذج الثالث هو أبي الحسن الندوي (الندوي هو لقب لكل من اعتزى الى "ندوة العلماء" أي نسبة مدرسية لا عشائرية).
سؤال الندوي الأول وضعه في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" ورسالة الندوي تناقش اشد حالات التصعيد في التورم الماجرياتي السياسي الذي تعدى الاهتمام المفرط بالصخب السياسي الى تأويل الاسلام نفسه بأن غرضه المشروع السياسي وقد نقد وعارض المودودي في هذه الأفكار.
الندوي كان شخصية فاعلة ومؤثرة وشارك في عدة مشاريع علمية مؤسسية. كما مر في سيرته مظاهر جدية صارمة في معاناة العلم وتاريخ الثقافات ما يزكي هذه التحذيرات من الانهماك في الماجريات.

النموذج الرابع كان مميزا مع عبد الوهاب المسيري الذي ألف العديد من الاعمال الكتابية سواء في دراسة وتفسير الظاهر اليهودية معرفيا أو نقد الحداثة الغربية ومنتجاتها الفكرية وأهم اعماله الموسوعة اليهودية التي استغرقت قرابة 30 عاما عانى فيها من رحلة للكويت اثناء الغزو لإنقاذ كتبه ومراجعه ومن تهديدات عديدة وسطو وسرقة على منزله في امريكا وتركه لعمله حتى يتفرغ للموسوعة ثم نسخه عدة نسخ منها وتوزيعها حول العالم لخوفه من سرقتها. 
عمل المسيري على استثمار المفاهيم التي طرحتها مدرسة فرانكفورت والمتأثرون بها مثل زيغمونت باومان الذي درس اطروحاته في نقد الحداثة وتأثر بهربرت ماركوز واليسار الجديد ثم بماكس فيبر وفرديناند تونيز الذي فرق بين كميونتي وسوسياتي (التي ترجمها ل مجتمع تعاقدي - مجتمع تراحمي) واستخدم مصطلحات الاغتراب والتشيؤ والتسلع والإنسان ذو البعد الواحد. 
يرى المسيري أن متابعة الأحداث والماجريات اليومية يجره لدوامة الحدثية فيشل قدرته على الإنتاج ويحوله لكاتب حدثي لذلك قرر أن تكون متابعته للأحداث ثانوية وقرر تحاشي كتابة الماجريات السياسية لذات الغرض وطرح مفاهيم تلخص أسلوبه مثل "الإنفصال المؤقت عن الواقع" ، "العزلة النسبية"  و"الإنغلاق النسبي". 

النموذج الأخير كان مع فريد الأنصاري الذي كتب رسالة الفجور السياسي لمناقشة ترسيخ الانحلال في المجتمع عبر التمكين للفساد الخلقي وزعزعة البنية الخلقية للمجتمع بينما الحركات الدينية تضخمت لديها دوائر الاهتمام بالماجريات السياسية ورهاناتها بدل التركيزعلى إصلاح الأخلاق ومواجهة هذا الإنحلال. ثم أصدر رسالة البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي التي تناقش إشكالية الاستغراق في الماجريات السياسية وتنقد المبالغة في هذا الاستغراق.
يصرح د فريد الانصاري أن أكبر خطأ وقعت فيه الحركة الاسلامية هو انشاء حزب سياسي لها حيث أشغلت الناس بهموم دنيوية وخطاب مادي بالدرجة الأولى وإنهماك في الماجريات السياسية ودعا لتجاوز التنظيمات الحركية إلى ما سماه "التنظيم الفطري" وللخروج من الحركات الإسلامية والتحليق في فضاء الدعوة العامة.

في الختام يلخص إبراهيم أن جميع المفكرين في الأمثلة أعلاه استغلوا وقتهم وأنتجوا وحذروا من الماجريات ويلفت الانتباه كيف أن الكثير يظن أن حمل هموم الأمة وقضاياها يستلزم الاستغراق في متابعة الواقع وأحداثه ولكن العلماء المصلحين وعمالقة الفكر في هذه الأمثلة وغيرها يتبنون رؤية نقيضة لذلك. 
يؤكد الكاتب على أهمية فهم الواقع سواء الفكري او السياسي واستيعاب أنماط تشكله وصيغ تفكيره وطبيعة احتياجاته وأن المطلوب هو التوازن في متابعة هذا الواقع ويعيد أيضا التذكير بمشاكل اللهاث وراء الماجريات الشبكية على حساب التحصيل والتفكر والإنتاج ويقدم بعض الحلول منها مفهوم الصوم عن الأخبار الذي بلوره أندرو ويل والذي يشابه ما فعله المسيري مثل "الإنفصال المؤقت" و"العزلة النسبية" إضافة لمحاولة التذكر المستمر لأهمية الوقت الذي يمضي ولا يعود وأن بعض العلوم لا يمكن تحصيلها بوقت قصير ولا يستوعبها عمر الشخص الواحد واستحضار هذه الأفكار قد يحفز الشخص للتركيز على العمل والإنتاج وعدم الانجراف للتفرج والمتابعة ومماحكة الماجريات. 



الخميس، 16 يوليو 2020

خلاصة كتاب - سيكولوجية الجماهير لغوستاف لوبون

غوستاف لوبون كتب في عدة مجالات لكنه يعتبر مؤسس "علم نفسية الجماهير" وأشهر كتبه تعلقت بعلم النفس الاجتماعي مثل كتاب "سيكولوجية الجماهير". 
هذا الكتاب اهتم بمسألة الجاذبية الساحرة التي يمارسها القادة او الديكتاتوريين على الجماهير والشعوب ويفيدنا وينبهنا عندما يشرح لنا جذور تصرفاتنا العمياء التي تدفعنا للانخراط في جمهور ما او التحّمس لزعيم ما فلا نعي ما فعلناه الا بعد ان نستفيق من الغيبوبة وربما جعلنا هذا أكثر حيطة وحذرا في الانبطاح أمام أي زعيم جديد. 

في مقدمة الكتاب يقول لوبون أن قوة الجماهير تنشأ عن طريق نشر بعض الافكار التي تزرع في النفوس ببطء ثم بواسطة التجميع المتدرج للأفراد من خلال الروابط والجمعيات ثم تتبلور الأفكار وتتشكل النقابات التي تبدأ بالضغط على السلطات. إن الأحداث الضخمة التي تنقلها كتب التاريخ ليست الا أثار مرئية للمتغيرات اللامرئية التي تصيب الأراء والتصورات والعقائد وعواطف البشر خلال انتشار تلك الأفكار. يؤكد لوبون أن أخر سيادة في العصر الحديث هي قوة الجماهير وجبروتها وإننا ندخل في عصر الجماهير. 

في الفصل الأول يعرف الجمهور بأنه مجموعة اجتمعت بتحريض معين وانصهروا في روح وعاطفة جماعية عابرة ومؤقتة تقضي على التمايزات الشخصية وتخفض من مستوى الملكات العقلية الفردية وتتمتع بخصائص محددة ومتبلورة تشكل كينونة واحدة وتصبح خاضعة لقانون الوحدة العقلية للجماهير ويغلب عليها تصرفات اللاوعي من أهم هذه الخصائص أيضا  ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد حتى أن الفرد في الجمهور هو مشابه لشخص منوم مغنطيسيا.
أما أسباب ظهور هذه الصفات فمنها شعور الفرد بالقوة مع المجموعة ومن ثم انصياعه لغرائز الجماعة والعدوى العقلية والذهنية والانصياع لهذا التحريض لدرجة قد تصل لعدم الوعي وأحيانا هذا اللاوعي يصنع التاريخ الذي يحتاج تغييره الى بطولات لا واعية الى حد ما. 

في فصل عواطف الجماهير وأخلاقيتها يسرد الخصائص الأساسية للجماهير التي منها سرعة الانفعال والنزق، سرعة التأثر والتصديق والسذاجة، العجز عن المحاكمة العقلية، انعدام الرأي الشخصي والروح النقدية، المبالغة في العواطف والمشاعر، نسج الأساطير وتضخيمها، التطرف في المشاعر (كالنساء حسب تعبيره)، التعصب والاستبداد والنزعة المحافظة.  
الخطيب الذي يريد جذب الجماهير ينبغي ان يستخدم الشعارات العنيفة ويبالغ ويؤكد بشكل جازم ويكرر بدون إثبات أي شيء عقليا وعندما تترك الجماهير لنفسها فإنها تمل تدريجيا من فوضاها وتتجه لا اراديا نحو العبودية لقائد ويذكر لوبون أن الجماهير قد تكون مجرمة (كما كان يعتبرها الطبقات الاقطاعية) وقد تكون أخلاقية فاضلة كريمة نزيهة ومضحية. 

في الفصل الثالث يؤكد الكاتب أن الأفكار تستعصي على الجماهيرإن لم تكن بسيطة وهذه الأفكار تأخذ وقتا طويلا لتترسخ في نفوسها أوالخروج منها أما المحاجات العقلية فهي سطحية - تعميمية ولا يمكن التأثيرالكبيرعلى الجمهورعن طريق تفكير عقلاني ويستشهد بخطابات قادة كثيرين بأنها لتعبئة الجماهير وليست لمناقشة فلاسفة ومفكرين مثلا. بالنسبة لمخيلة الجماهير فهي لا تعرف معنى المستحيل - كالنائم في حلم. ما يدهشهم هو الجوانب الساحرة والأسطورية من الأحداث وطريقة عرضها.
يضرب في هذا الفصل أمثلة على نابليون الذي تظاهر بأنه كاثوليكي ثم مسلم ثم بابوي متطرف حتى يقوم بالتأثير على مخيلة الجماهير ونيل اعجابهم .

ينتقل الكتاب لنقاش العوامل البعيدة المكونة لعقائد الجماهيرفيصفها بأنها عمل طويل وبطيء سابق يدخل ضمنها التقاليد والزمن والعرق والمؤسسات والتربية والتعليم  ثم تأتي العوامل المباشرة أو القريبة التي تثير الجماهير وتجيشها وتهيجها فمثلا يذكر أن من العوامل البعيدة للثورة الفرنسية كان نقد الكتاب والمفكرين للنظام القديم وتجاوزاته عبر فترة طويلة ثم أتت عوامل مباشرة كخطابات الخطباء ومقاومة البلاط الملكي لإجراء اصلاحات زهيدة لم تعد ذات معنى. وينبه المؤلف هنا أن الانجليز والرومان نجحوا في الحفاظ على مؤسسات الماضي لفترة طويلة عن طريق تعديلها تدريجيا.
ينتقد لوبون نظام التعليم الذي لا يرفع مستوى الأخلاقية لدى الأشخاص ويقول أن اكتساب المعارف التي لا يمكن استخدامها هو وسيلة لتحويل الانسان الى متمرد. 

يسرد الكتاب العوامل المباشرة لتشكيل أراء الجماهير مثل الصور والكلمات والعبارات أو الشعارات (مثال: اشتراكية، مساواة، قومية) ثم الأوهام فمن يعرف إيهام الجماهير يصبح سيدا لهم ومن يحاول قشع الأوهام ربما يصبح ضحيتهم ثم يأتي عامل التجارب التي عاشها الشعب مثل الحروب والنزاعات وغيرها.
الجماهير تضع نفسها بشكل غريزي تحت سلطة زعيم ما وهؤلاء القادة ليسوا في الغالب رجال فكر ولايمكنهم ان يكونوا باستثناء من لديه عقيدة أو إيمان قوي وإرادة دائمة قوية، وهذا شيء نادر. القادة هم رجال ممارسة وانخراط ووسائل تحريكهم للجماهير هي: التأكيد  القاطع بدون برهان- التكرار حتى الانغراس في اللاوعي ثم الإيمان الذي يؤدي لتشكل تيار الرأي العام. عدوى إيمان الجماهير تنتشر مثل الجراثيم حتى انها تنتقل عبر الطبقات الاجتماعية الدنيا الى العليا. 
أما وسائل التحريك اللحظي المؤقت كمظاهرة مثلا أو متراس فالقادة المحركين بحاجة لقوة الكاريزما أو هيبة شخصية لتحريض الجماهير.
فرق لوبون بين الكاريزما - الهيبة الشخصية الطبيعية ،التي يملكها نابليون مثلا، وبين الهيبة الموروثة الاصطناعية التي تكون بسبب ثروة أو اسم عائلة أو لقب أو منصب وقد تختفي الهيبة مع الفشل والأشخاص الذين عرفوا المحافظة على الهيية ابتعدوا عن مناقشة الجماهير وأقاموا مسافة بينهم. 
من التحليلات التي تحوي مفارقات أن عقائد الجماهير تأتي من افكار عليا (فلاسفة أو مفكرين غالبا من طبقات المجتمع العليا) ظلت غالبا لفترات دون تأثير واستولى عليها قادة مسحورون بها ونشروها في أوساط الجماهير لتصبح شعبية ثم تعود وتؤثر على تلك الطبقات العليا بعد موت صاحبها بوقت طويل. 

يقول لوبون أن رأي الجماهير يميل الى ان يصبح هو الموجه الأعلى للسياسة وينوه ان التطور وسرعة تغير اراء الناس الذي حدث خلال 30 عاما (في وقته) مدهش الى أبعد حد حيث أن كل الأراء تفقد هيبتها وتبلى بسرعة والأفكار التي تلهب حماستنا نادرة والانسان الحديث مصاب باللامبالاة اكثر فأكثر. 

في الفصل الأخير يذكر الكاتب أصناف الجماهير سواء المتجانسة التي تجمعها روابط عسكرية أو دينية مثلا أو غير المتجانسة مثل محلفي محكمة الجنايات أو جماهير الانتخابات ويضرب أمثلة مفيدة بهذا الخصوص نشاهدها حتى وقتنا الحالي خاصة في ما يتعلق بالانتخابات والمرشحين وتنافسهم والتصويت والبرلمانات التي تعطي أهمية عالية للفصاحة الخطابية على حساب الفكر ويؤكد أنه على الرغم من كل صعوباتها فإن المجالس النيابية تمثل افضل طريقة وجدتها الشعوب حتى الأن من اجل حكم ذاتها ثم بشكل اخص من اجل التخلص من نير الاستبداد والطغيان الشخصي ونبه أن ما يهدد المجالس النيابية خطران هما التبذير الاجباري للميزانية والتقييد التدريجي للحريات الذي بدوره يقلص الطاقات والحوافز ويضخم دور الحكومات فتصبح تدريجيا سلطة استبدادية وهذه لن تدوم. من وجهة نظر لوبون فالحضارات تبنيها وتوجهها النخب المثقفة القليلة العدد وربما كان مجيء عصر الجماهير يمثل احدى اخر مراحل حضارة الغرب. أيضا حذر لوبون ،في ذلك الوقت، من انتصار الاشتراكية لأن نزوات السيادة الشعبية ستكلف ثمنا غاليا جدا.

 أشار الكاتب أن مظاهر التحلل والاباحية توهم بعض الشعوب بامتلاك الحرية وهو لا يعتقد بدوام الحضارة في شعب أو عنصر ما بل أن مسار الحضارة متغير ومتنقل عبر التاريخ.
 وختم الكتاب بتحليل دورة حياة الشعوب ،تحليلا يذكرنا بما كتبه ابن خلدون منذ قرون، وكيف انها تتحول من أفراد الى جماهير متفرقة الى شعب واحد ثم وصول للقمة وبعدها توقف ثم فقدان المثال الاعلى القديم الذي جمع هذه الجماهير وتتلاشى القوى الاخلاقية التي كانت تملك زمام المبادرة فيحصل انحلال  لجماعات اصغر أو افراد معزولين. (انتقال من حالة بربرية لحضرية عن طريق ملاحقة حلم ما ثم انحطاط وموت عند فقد الحلم قوته).

Portrait of a man in his thirties with swept back hair and a large beard
غوستاف لوبون
ملاحظة:  الكتاب نشر عام 1895 وترجمة الكتاب لهاشم صالح عام 1990.

الثلاثاء، 21 أبريل 2020

خلاصة كتاب - الحياة السائلة

الحياة السائلة هو كتاب للفيلسوف وعالم الاجتماع زيغمونت باومان.

يعرف باومان العالم السائل بأنه عالم حديث تتغير ظروف أفراده بسرعة لا تسمح باستقرار الأفعال في عادات وأعمال منتظمة. هذه التغيرات تحدث بسرعة شديدة خطيرة يحياها المرء في حالة من اللايقين والخوف من أن تأخذه بغتة أوالفشل في اللحاق بالمستجدات. الحياة السائلة هي حياة استهلاكية مستمرة ومنتج ضخم للنفايات ويكثر بها من ينعم بالثراء المادي والفقر الروحي حيث يجري الكثير خلف سراب مستمر. 

يذكر الكاتب في الفصل الأول "الفرد تحت الحصار" مفارقة الفرد والجماعة حيث يجب تميز الفرد ولكن الجماعة تتطلب تشابهه معها وهذه معضلة محيرة ثم يفصّل مواضيع الهوية التي تصارع لتحرير نفسها بين حدين متطرفين: الفردية والانتماء الكلي. الفردية يتمناها المرء ولا يدركها والانتماء الكلي هو بمثابة ثقب أسود يبتلع كل ما يقترب منه.

الهوية أصبحت محصلة جهود يبذلها الفرد وحده وينشغل بها ويضيفها لنفسه وهي مؤقتة. حرية الباحث عن الهوية كحرية راكب الدراجة، إن توقف عن تحريك الدواسة سقط ولا بد من الحركة للاستمرار، ضرورة الاستمرار مأزق بلا اختيار ولكن البديل هو أسوأ. ثم يتطرق الكاتب لتغني الطبقات المثقفة والنخبة بالهوية مع انعزالهم وابتعادهم والهوة الكبيرة بينهم وبين الأخرين.

في الفصل الثاني " من الشهداء إلى الأبطال ومن الأبطال إلى المشاهير" ينبه باومان ل "عدوى المحاكاة" وهو السلوك المحتمل لكل المتفرجين والمشاركين بحماسة في الحدث وعلاقة ذلك بالغرائز والدوافع الوطنية التي يمكن أن تباع حاليا لأعلى مزاود من أصحاب سلاسل المطاعم ومنظمي المباريات الرياضية ومديري الوكالات السياحية وكيف يتحول الأفراد إلى "مستهلكون سعداء قابعون داخل المواطنين".

كلما تقدم المجتمع الحديث السائل تراجع الشهداء والأبطال الذين يجدون مأواهم الأخير حاليا بين الشعوب التي تحارب ،حربا خاسرة، ضد قوى عسكرية ومالية عولمية رهيبة تحاصر الأراضي البكر الباقية لتغرس نموذج "حياتها الجديدة". أما هؤلاء الأبطال فغالبا ما يصبحون أداة أو مجندين في أيدي مستغلين محتالين.

الفصل الثالث بعنوان "الثقافة خارج السيطرة والإدارة" يشرح مسببات اغتراب الفرد الحديث عن العالم ومنها مرونة القواعد وميوعة القيم وتعارض الاستهلاك الصارخ مع الإبداع الثقافي ويضرب أمثلة كيف أن السوق الاستهلاكية تروج للتداول السريع للأشياء وتحويلها لنفايات لرميها بسرعة وأن الفن الجيد والفن السيء قد تقرره الصالة الفخمة ذات الإسم اللامع إضافة لتحول العلامة التجارية لقيمة وتلك العلامات التجارية صارت تمنح للرمل والقمح والمعادن ومواد وسلع كثيرة لا نهائية كان يعتقد انها محصنة ضد هذه العملية.

حتى الفن الحديث يحوي الكثير من القص واللصق والتناقضات والتفتت الذي يعكس التجربة الحديثة السائلة حيث أن المضمون والمعنى تحول ل "لحظة خاطفة".
أما بالنسبة للإدارة فغالبا ما تصبح قمعا لا موجب له. والعلاقة بين المدير والمدار هي علاقة صراع في جوهرها والمعايير التي يوظفها المديرون ،سماسرة السوق، تجاه القصًر تحت وصايتهم في عمليات التقويم والضبط والثواب والعقاب هي معايير استهلاكية تسويقية تحتفي بالاستهلاك والاشباع والربح الفوري.

الخوف والأمن والمدينة هو عنوان الفصل الرابع ويصرح به الكاتب أننا عاجزون عن خفض السرعة المذهلة التي يسير بها التغيير حيث ينهمك البعض في تحصين أنفسهم من الأخطار ، المألوفة وغير المألوفة، بحبس النفس وراء الأسوار واستئجار حراس وكاميرات وألبسة وسيارات ضخمة ولكن كل هذا يؤكد شعور الاضطراب ويولد المزيد منه فكل قفل اضافي بعد شائعات جريمة وكل تعديل للنظام الغذائي بسبب "الذعر من الطعام" يجعل العالم يبدو أكثر إثارة للهلع والفزع وتستمر المخاوف في استمداد قوتها من نفسها. الحماية من الخطر كان حافز أساسي لبناء المدن التي تميزها الجدران والأسوار العالية. ولكنها منذ مائة عام تقريبا ترتبط بالخطر ،لا الأمان، فحياة المدينة تتحول للرعب وهيمنة الخوف والغرباء. أكثر أشكال الأسوار الدفاعية شيوعا هي المجمعات السكنية ،المتزايدة، المغلقة بالبوابات والحراس والكاميرات أو التي تتبع طريقة الترهيب بواجهات مهيبة.

بعد بيان أن الشركات الضخمة أصبحت كيانات عملاقة مفترسة تستولي على الأسواق وتستخدم القوة الاقتصادية للحصول على ما تريد يركز الكاتب في الفصل الخامس على المستهلكين في مجتمع حديث سائل يحكم ويقيم أعضائه بقدرتهم الاستهلاكية وما يتبعوه من سلوك استهلاكي. يقوم المجتمع الاستهلاكي على وعد اشباع الرغبات ولكن وعد الاشباع لا يحتفظ بسحره إلا بعدم الاشباع. فالوصول للاشباع التام هو نهاية المجتمع الاستهلاكي. عدم الاشباع هو محرك الاقتصاد المتمركز حول الاستهلاك والمستهلكين المترفين لا يعبؤون بالقاء أشيائهم في عالم النفايات ولا يأسفون أبدا بل يفعلوا ذلك بأريحية وأحيانا برغبة ولذة غير معلنتين فالرمي يعد بالتجديد وتجارب حسية جديدة لذلك المجتمع الاستهلاكي هو مجتمع اسراف وتبذير.
المتلازمة الاستهلاكية التي تغزو العلاقات والروابط بين البشر تتجاوز الانبهار بملذات الطعام والشراب والملذات الحسية وتقوم في المقام الأول على نفي شديد لفضيلة الصبر وإرجاء الرغبات (وهي مبادئ المنتجين) وأصبحت الفضيلة هي الاستجابة لسحر السلع والرغبة الإدمانية في شراءها أما اللامبالاة بهذه السلع أوعدم امتلاك الموارد فتمثل خطايا يجب استئصالها أو رفضها في مجتمع المستهلكين الذي تتفكك به حتى الروابط الأسرية ويصبح الأطفال مستهلكين

يطرح باومان مواضيع العلم والمعرفة في الفصل السادس "تعلم السير على الرمال المتحركة" حيث يشبه التعليم السائل بالقذائف الذكية التي تغير اتجاهها بشكل مستمر لتحديد الهدف مقارنة بالتعليم الصلب الذي كان يحدد الهدف مسبقا. التعليم السائل يجب استمراريته مدى الحياة لحصول التمكين وتحقيق الأهداف وجعل العالم أفضل وأكثر رحابة والا اصبح بلا فائدة. في هذه الأزمنة الليبرالية الضارية يقبل التعليم الذاتي بخطاب يبيح للدولة التنصل من مسؤولياتها في توفير التعليم الجيد الذي هو حق أصيل لكل مواطن في مجتمع ديمقراطي.

الديمقراطية في خطر لأن الأفراد عاجزون عن ترجمة تعاستهم الفردية الى اهتمامات عامة مشتركة وأفعال جمعية. فالشركات أخذت تشكل محتوى أغلب الإعلام السائد وخصخصة الفضاء العام وتصبح المشاركة المدنية ضعيفة وعاجزة تدريجيا مع تواري القيم العامة. المستهلك عدو المواطن والكثير بدأ يدير ظهره للسياسة بلا مبالاة في خضم الحياة الاستهلاكية .

يجب معرفة أن الحريات ليست ممتلكات يكتسبها المرء مرة وللأبد وليست في أمان بل لا بد من رعايتها يوميا بخبرة المواطنين المخلصين وعلمهم وأفعالهم الواعية وإلا جفت وتهمشت لذلك تعليم المواطنة هو مستمر مثل التعليم التقني.

الهيمنة عبرغرس الجهل واللايقين أرخص من السيطرة القائمة على النقاش الدقيق والجهد الدؤوب للاتفاق على الحقائق وأمام هذا الجهل من السهل أن يشعر المرء بالضياع والحظ السيء ومن الأسهل ان يحل به الضياع والحظ السيء بدون أن يشعرفالجهل يفضي إلى شلل الإرادة.

في ختام الكتاب "التفكير في أزمنة مظلمة" يذكر باومان مقولة الشاعر البولندي تشيسلاف ميلوش: "إن المفكرين والفنانين الذين يختاروا أو يضطروا للمنفى يبصرون أزمة البشر التي لم يكن لهم أن يبصروها لو أنهم ظلوا في الداخل”. ثمة نعمة في ثوب نقمة تمثلها العزلة والغربة والاغتراب.

بعض الحلول التي طرحها عبر الكتاب هي التسلح بكلمة "لا" لنفي ورفض السيولة والاستهلاك المذكور والعزم على تغيير الأمور بجهد متواصل والتسلح بمعرفة الخير والشر والتصور المستقبلي وإعادة الروابط المتينة والصداقة والثقة ومهارات التفاعل البشرية إضافة لتفعيل المجال العام للمشاركة الدائمة لا اللقائات العابرة العارضة وجعله مجالا للحوار والنقاش والمواجهة والاتفاق. وصنع فضاء عام عولمي جديد وسياسة كوكبية حقيقية مع مسؤولية واعتراف جمعي باعتمادنا على بعضنا من اجل حاضرنا ومستقبلنا.



الاثنين، 2 مارس 2020

المسؤولية الاجتماعية في المجال التقني. IT Social responsibility


المسؤولية الاجتماعية Social responsibility هي واجب يقع على عاتق أي كيان، سواء كان منظّمةً أو فردًا، للعمل لمصلحة المجتمع ككل والتي بالتالي ستعود لمصلحة الفرد وأسرته والمقربين منه. 
هذه المسؤولية يمكن أن تكون سلبية، عبر الامتناع عن مساعدة وتشجيع الاستبداد والأعمال الضارة، أو ايجابية من خلال القيام بأفعال لمصلحة المجتمع او ضد مصالح الأشرار والمستبدين والأنظمة الديكتاتورية القامعة والقاتلة لشعوبها. هذه المسؤولية أيضا يمكن تأصيلها كهدف أو واجب أساسي في جميع الديانات أو في جميع الايديولوجيات سواء الدينية او غير الدينية. 
لقد أثبت التاريخ والحاضر في عدة أمثلة واضحة أن الظلم يعم ويزداد عند السكوت عنه، فما بالك بالتعاون معه؟.
قد تكون أنت وأسرتك بأمان اليوم وربما تستفيد بشكل ما مما يحصل ثم تدور الأيام دورتها سواء الأن أو على أبنائك من بعدك وتعود دائرة الظلم عليهم إذا لم تقف أو حتى تحاول ايقاف هذا الظلم بأي وسيلة ممكنة حتى لو كانت مجرد عمل صغير جدا.  هذا الالتزام يشجع الأفراد والشركات على تحسين العالم بشكل مستمر بفوائد تعود على الجميع. 

من هذا المنطلق يمكن القول أن لكل مجال عمل مسؤولية اجتماعية وكوننا نعيش في عصر التقنية والمعلومات فهناك حصة كبيرة من هذه المسؤولية على الأشخاص التقنيين وكل من يعمل في هذا المجال.
قد يتساءل البعض وكيف يمكن ذلك؟ 
كيف تستخدم التقنية لمحاربة الاستبداد والانظمة القمعية ومن يدعمها بطرق قانونية بسيطة وبدون خبرة تقنية عالية ...
الإجابة عن هذا تتعدد ولكن في ما يلي بعض الأمثلة مما استطعت التفكير به وسيتم الإضافة عليه لاحقا:

- نشر اي محتوى أو وعي ضد المستبد.
- مقاطعة الشركات التقنية (وغير التقنية) التي لها علاقة بالمستبدين أو في مصدرها بلاد الظلم والاستبداد وعدم شراء منتجاتها أو على الأقل إعطاء الأولوية لشركات غيرها. 
- عدم التعاون مع التقنيين الداعمين للمستبدين أو توظيفهم والامتناع عن الانخراط في أعمال قد تساعد أولئك المجرمين في إيذاء الأخرين.
- الرد أو التبليغ عن الذباب الالكتروني الخادم للديكتاتورية أو الذي هدفه إلهاء وتشتيت الجماهير عن المواضيع المهمة.
- الضغط على زر عدم الاعجاب او على الاقل تجنب وضع لايكات لمشهورين داعمين للمستبد أو مشتتين للرأي ومن ينشر التوافه الغير مفيدة.
- الضغط على إعلانات الجهات الفاسدة المستبدة او داعميها بدون الشراء منهم. (لتكبيدهم مبالغ الضغط على الاعلانات ونفاذها بسرعة)
- تشغيل قنوات البث أو أي محتوى يستهلك بيانات (ترافيك) بشكل عالي من سيرفراتهم بدون مشاهدتها. وعمل ذلك من اكثر من جهاز iptv إن امكن.
- التبليغ عن اي محتوى يمكن الشكوى عليه في حال كان الناشر داعما لنظام ديكتاتوري قمعي.
- شراء البضائع والخدمات من مصادر معروفة بابتعادها عن الاستغلال وتحكيم مبدأ ال Ethical sourcing أو اعتبارات التعامل والشراء الأخلاقية أو اعتبارات أخلاقيات مصادر الانتاج (لم أجد تعريب قطعي  لهذا المصطلح مع العلم انه منتشر جدا في الغرب ولكنه ليس منتشرا في البلاد العربية وهذا مؤشر سيء) 
- عدم فصل المسؤولية الاجتماعية عن التخصص بحيث يمنعك ذلك التخصص المهني من فضح الجريمة أو حتى الإشارة لها. 
- عدم نشر اي محتوى يفيد المستبد او يشتت انتباه الناس عنه في حال كان يرتكب أعمال اجرامية.
- نبذ من يدافع عن المستبدين والديكتاتورية في المجموعات الاجتماعية وعزلهم وإبعادهم حتى لا يعملوا على ضرر الأخرين في تلك المجموعات أو نقل بيانات ومعلومات تضر بهم لجهات أخرى. 
- التبليغ عن مواقعهم وخدماتهم لحكومات الدول الديمقراطية في حال كان هناك مقاطعة وكانت مواقعهم في تلك الدول الحرة الرافضة للاستبداد.
- المشاركة في أي إعلام أو فرصة تقنية لإظهار مساوئ  وفضح تلك الأنظمة الإجرامية. 
- طرح ومشاركة المزيد من الأفكار والطرق.
قد تبدوا بعض هذه الأعمال صغيره وغير ذات أهمية لكن بزيادة العدد واستمرار العمل  تكبر النتائج التي قد لا تكون محسوسة بشكل مباشر احيانا.

Business, Idea, Style, Concept, Goals, Guidelines