الخميس، 14 ديسمبر 2017

تسارع المستقبل

تسارع المستقبل
---------------------
محمود الجسري

منذ ألاف السنين -أكثر من 10 ألاف سنة- كان أغلب البشر يعيشون من مصادر الصيد و جمع النباتات و الفواكه ثم بدأت الثورة الزراعية الأولى بتجمعات قليلة وتدريجيا بدأت بالانتشاروالتوزع حتى وصلت لنسبة عالية من سكان الكرة الأرضة تقدر بحوالي 90%  في حدود القرن الثامن عشر وذلك لما توفره الزراعة من ميزات للناس لم تكن تساعد عليها مرحلة الصيد و التجميع التي قبلها و منها تأمين مصادر غذائية ثابتة تساعد على التخطيط و بناء جيوش للدفاع أو الغزو و ما يلي ذلك من أمن و استقرار ثم بحث و تطورعلمي وغيرها من العوامل التي ساعدت في تطور البشرية والمعرفة. 
وأتى القرن التاسع عشر مصاحبا للثورة الصناعية التي أيضا بدأت بنخب قليلة هنا وهناك و بدأت المكنات تحل محل العمل اليدوي بسرعة في مناطق في أوروبا و أمريكا الشمالية و اليابان و فقد الكثير من المزارعين عملهم لوصول الألات و تغطيتها أجزاء كبيرة من الأراضي التي كانت تحتاج مئات من المزارعين للعمل عليها وتقلصت تلك الحاجة إلى عشرات أو أقل و بدأت الدول الصناعية في تلك المرحلة بالسيطرة والتهام الدول الزراعية التي لم تلحق الركب الصناعي و أصبحت إلى حد ما متخلفة علميا وصناعيا فابتلعت أوروبا معظم أفريقيا و الشرق الأوسط و شبه القارة الهندية وهيمنت اليابان على الصين وقد حصل كل ذلك في سنوات قليلة جدا (أقل من 200 سنة) مقارنة بعمر المرحلة الزراعية التي استمرت ألاف السنين و بدأ سباق و محاولات للحاق بالركب الصناعي و قد تعثرت بعض الدول بعض الشيء و لكنها لحقت به و تخلفت بعض الدول الأخرى في ذلك فبقيت في عصر الزراعة و دول أخرى طغى عليها الاستبداد و الطمع لم تستطع حتى الحفاظ على الزراعة و أصبحت تعيش في عصور خاصة بها مغلقة حتى اليوم و تدور في فلك زعمائها المستبدين وعصاباتها فقط. 
و من نتائج الثورة الصناعية و تطور العلوم ظهر الحاسب الألي و الانترنت و هنا بدأت ثورة جديدة يدعوها البعض بالثورة الصناعية الثالثة (الثانية كانت عند التحول من الألات البخارية الى الطاقة الكهربائية). 
ويمرالعالم حاليا بثورة جديدة و تحول لا يشعر به الكثير من الناس و يطلق عليه البعض "الثورة الصناعية الرابعة" و لكن المصطلح الأفضل الذي أميل إليه هو "الثورة التقنية" و هي مرحلة ظهور و تطور الذكاء الاصطناعي و تعليم الألات والتحكم في الجينات و التقنيات الحيوية و البيانات الضخمة و غيرها. 
رافق كل مرحلة من المراحل أعلاه تغير كبير في أشكال العمل و تعداد العمال المطلوبين فعند الانتقال من المرحلة الزراعية إلى المرحلة الصناعية خسر ملايين البشر أعمالهم في المجال الزراعي و لكن كان هناك طلب كبير في الفترة الأولى لعمال المصانع و ساهم هذا في نزوح الكثير من القرى للمدن الكبيرة و لكن بدأ هذا الطلب يتقلص تدريجيا و تزيد نسبة العاطلين عن العمل في أوقات لاحقة.  
و رافق ذلك أيضا تغير في طبقات المجتمع ففي المرحلة الزراعية كان هناك طبقة الاقطاعيين و النبلاء والأمراء  وفي المقابل طبقة المزارعين و في بدايات المرحلة الصناعية كان هناك طبقة برجوازية من أرباب العمل و أصحاب المصانع و التجار وفي المقابل طبقة العمال التي تتراوح بين المتوسطة و الفقيرة . 
و الحكمة أن نعتبر من التاريخ و نعلم أن الثورة التقنية التي بدأت فعلا ستغيرقريبا جدا من عالم العمل و الوظائف و ربما تظهر طبقات جديدة مختلفة عما عهدناه سابقا و إن أطلقت لنفسي حرية التفكيروالتوقع - الذي قد يبدوا خياليا للبعض - فأستطيع القول أن ملايين البشر ستخسر وظائفها و أعمالها و القليل هو من يستطيع الدخول في عالم العمل الجديد الذي سيتطلب مجهودا فكريا و مهارات أعلى من ما طلبته الثورة الصناعية من عمال المرحلة الزراعية. 
وبالنسبة للطبقة الجديدة المستقبلية الموازية للإقطاعين و النبلاء أو الطبقة البرجوازية فقد تكون من نخبة تم اختيار جينات معينة فيهم عند الولادة أو تم التعديل عليهم بعد الولادة مما يعطيهم أعمارا أطول و أمراضاً أقل و ذكاء و قوة و ميزات أفضل من معظم عامة الناس و هذا الشيء سيغير الكثير من المفاهيم الانسانية - الاجتماعية -  الليبرالية و ربما حتى الدينية و غيرها بطرق قد تكون مخيفة أحيانا. أما في المقابل فالطبقة الأكبرفي المستقبل من الممكن أن تكون طبقة من الناس العاطلين عن العمل و قد وصفهم أحد المؤرخين بطبقة الناس الغيرمفيدة أو عديمة النفع(Useless Class) أو من الممكن أن يكون نفعهم الرئيسي لبعض الشركات هو الاستهلاك.  و بعض المفكرين وحتى الحكومات تخطط لما يسمى (Guaranteed minimum income) أو الراتب الأدنى لكل شخص أو عائلة كنظام اجتماعي في المستقبل. 

و من الأمثلة على التغييرات القادمة و التي غالبا سيشهدها الكثير ممن لم يتجاوز الخمسين عاما من عمره التالي: 
- المركبات ذاتية القيادة. 
- "الدرونز" و الأجهزة الذكية والروبوتات وتفاعلها مع البشر بشكل يومي.
- الأنظمة الضخمة التي جمعت و تجمع المعلومات و البيانات الضخمة عن كل شيء بداية من البشر إلى معلومات الطقس و البيئة و الحيونات و الحشرات و الطاقة وغيرها و تعالج هذه المعلومات و تستنتج منها نتائج و مألات قد لا يتنبه لها الفرد لوحده. 
- الذكاء الصناعي الذي سيحلل جميع تلك البيانات و يخبر الناس عن معلومات تهمهم سواء صحية او اجتماعية او غيرها مما يعلموه أو حتى لا يعلموه عن أنفسهم. 
- تطور في التقنيات الحيوية و التعامل مع الكائن الحي (ربما حتى الإنسان) كخوارزميات و تطور علم الجينات و تعديلها. 

و من الوظائف المعرضة للخطرفي المراحل الأولى على سبيل المثال لا الحصر: السائق - وظائف المصانع القابلة للأتمتة - الكاشير - مساعد المحامي - بعض الوظائف الصيدلية - الطيار- التدريس - الحراسة - وكلاء السفر.. و تطول القائمة التي قد تحوي الكثير من المفاجئات. 

أما الوظائف التي سيكون عليها طلب فقد تكون الوظائف التقنية التي تعنى بتطوير و إصلاح البرمجيات و المكائن و وضع الخوارزميات لها - الوظائف المهنية التي تحتاج مهارة بشرية عالية و تفكير من الصعب وضع خوارزميات مباشرة له - التخصصات المخبرية و خاصة علوم الجينات - الأعمال التي تصلح أن تكون على شبكة الأنترنت (أونلاين) إضافة ل أي عمل إبداعي و فني. 

الثورة التقنية قطعا تسارعها سيكون أعلى من الثورة الصناعية التي هي أصلا أخذت وقتا أقل بكثير من تطور الزراعة. هذا التسارع الشديد سيكون من الصعب تكهن نتائجه و أتمنى أن تكون هذه المقالة قد أوصلت الفكرة و غطت بعض جوانب هذا الموضوع الذي يجب التفكير فيه سواء للتخطيط الشخصي أو الأسري والنظر للأعمال و التسارع في المستقبل. 
---------------------
محمود الجسري  15- 12-2017


هناك 5 تعليقات:

  1. مقال رائع ..
    نحن نحتاج ان نتحرر أولا. طالما مكثوا هؤلاء الأوباش فوق صدورنا فلن نخطوا خطوة الى الامام .

    ردحذف
  2. مقال بديع، ويستهدف الغالبية العظمى من بني جلدتنا، واختصره الله جل وعلى بقوله الحكيم: ولن يغير الله مابقوم ختى يغيروا مابانفسهم، وذاك ان لله سننا لا تتبدل ولا تتغير ، فالتغيير مستمر والانسان وهب الملكة التي اورثته الارض دونا عن كل مخلوقات القدير، وتلك ملكة العلم ! وهنا مغزى استخلافنا في الارض، بوركت اخي

    ردحذف
  3. مقال رائع وجميل صديقي العزيز
    فعلا و ب اختصار المستقبل سيجعل الروبوتات مكان الإنسان في الكثير الكثير من الوظائف كما تفضلت أهمها
    السائقين والمحاسبين و المحامين والكاشير واتوقع الصيادلة
    وربما يتأخر هذا الموضوع قليل في بعض البلدان في آسيا وأفريقيا..
    والناس تحتاج لبذل جهود كبيرة للعمل في مجال التقنية..

    ردحذف
  4. بوركت اناملك اخي محمود
    مقالة جيده وأود ان أضيف هنا ان التطور في مجال الأسلحة وخاصة الالكترونية منها تتسارع بشكل أكبر من المجال الخدمي أو الصناعي وقد تتسبب في تدميرها بطرفة عين ومثال القنبلة المغناطيسية غير بعيد وهو سلاح يصيب كافة الدارات الالكترونية بالعطب الدائم مايعني عودة الانسان الى الصناعات اليدوية والزراعة البدائية وحتى الى السيف والرمح بالمعارك
    نادر حماميه

    ردحذف